عبد الملك الجويني

164

نهاية المطلب في دراية المذهب

فابتدأنا بعد موت المجني عليه قطع يد الجاني ، فأدى إلى هلاكه . ولو قطع الجاني اليد ، فقطعنا يده قصاصاً ، ثم مات المجني عليه ، ومات بعده المقتص منه ، فالنفس بالنفس أيضاً ، وإن وقع القصاص قبل زهوق روح المجنيّ عليه ، والمرعيّ فيما نرتبه أن يستأخر موت الجاني المقتص منه عن موت المجني عليه ، حتى يكون القصاص المحكوم به بعد موت المجني عليه . ولو قطع اليدَ ، فقطعنا يده ، فمات المقتص منه أولاً ، ثم مات المجني عليه آخراً ففي المسألة وجهان : أحدهما - أن نفس المقتص منه بنفس المجني عليه ، كالصورتين المذكورتين قبل هذه . والوجه الثاني - أن النفس لا تقع بالنفس ؛ [ فإن ] ( 1 ) زهوق روح الجاني تقدم على هلاك المجني عليه ، والقصاص يستحيل وقوعه قبل وجوبه . ومن قال بالوجه الآخر ، انفصل عن هذا ، فقال : لا ننظر إلى ترتيب المرتِّبين ؛ فإن الموت خارج عن الاختيار ، وهو من فعل الله تعالى ، فلا نظر إلى التقدم والتأخر فيه ، والذي يتعلق بالاختيار هو القطع ، وقد جرى مرتباً ، إذ سبق القطع ظلماً ، وترتب عليه الاقتصاص . ويمكن بناء هذا الخلاف على أنا هل نجعل الجرح قتلاً إذا أدى إلى القتل ؟ وهذا قد سبق ذكره في أول الجراح في صورٍ : منها أن العبد إذا جرح عبداً ، ثم عَتَق العبدُ الجارح قبل زهوق روح المجروح المظلوم ، فهل نجعل العتق بعد الجرح قبل الموت كالعتق بعد [ القتل ] ( 2 ) المجهز ؟ فعلى وجهين . وكذلك القول فيه إذا جرح كافر كافراً ثم أسلم الجارح ، ومات المجروح . 10425 - فإن قيل : قد تمهد من أصلكم أن سراية القصاص غيرُ مضمونة ، وأن قَطْع يد المظلوم لو اندمل ، وسرى قطعُ يد الجاني قصاصاً ، فالسراية مهدرة ، فلم أوقعتموها قصاصاً في بعض الصور التي قدمتموها ؟ قلنا : وقوع السراية [ هدراً ] ( 3 ) ليس أمراً مستحَقاً ؛ فإن جرى لنا على القياس صرفُ

--> ( 1 ) في الأصل : " قبل " . ( 2 ) في الأصل : " العتق " . ( 3 ) في الأصل : " وهدراً " .